فصل: الخلع يجعل أمر المرأة بيدها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فقه السنة



.ألفاظ الخلع:

والفقهاء يرون أنه لابد في الخلع من أن يكون بلفظ الخلع أو بلفظ مشتق منه. أو لفظ يؤدي معناه. مثل المبارأة والفدية فإذا لم يكن بلفظ الخلع ولا بلفظ فيه معناه.
كأن يقول لها: أنت طالق في مقابل مبلغ كذا، وقبلت، كان طلاقا على مال ولم يكن خلعا.
وناقش ابن القيم هذا الرأي فقال: ومن نظر إلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها: يعد الخلع فسخا بأي لفظ كان، حتى بلفظ الطلاق.
وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد.
وهو إختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقل عن ابن عباس.
ثم قال ابن تيمية: ومن اعتبر الالفاظ ووقف معها واعتبرها في أحكام العقود جعله بلفظ الطلاق طلاقا.
ثم قال ابن القيم مرجحا هذا الرأي.
وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها، لا صورها وألفاظها.
ومما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم - أمر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة، ومع هذا أمرها أن تعتد بحيضة وهذا صريح في أنه فسخ، ولو وقع بلفظ الطلاق.
وأيضا فإنه سبحانه علق عليه أحكام الفدية بكونه فدية ومعلوم أن الفدية لا تختص بلفظ، ولم يعين الله سبحانه لها لفظا معينا.
وطلاق الفداء طلاق مقيد، ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطلق.
كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة.

.العوض في الخلع:

الخلع - كما سبق - إزالة ملك النكاح في مقابل مال.
فالعوض جزء أساسي من مفهوم الخلع.
فإذا لما يتحقق العوض لا يتحقق الخلع.
فإذا قال الزوج لزوجته: خالعتك، وسكت.
لم يكن ذلك خلعا، ثم إنه إن نوى الطلاق، كان طلاقا رجعيا.
وإن لم ينو شيئا لم يقع به شئ، لأنه من ألفاظ الكتابة التي تفتقر إلى النية.

.كل ما جاز أن يكون مهرا جاز أن يكون عوضا في الخلع:

ذهبت الشافعية إلى أنه لافرق في جواز الخلع، بين أن يخالع على الصداق،
أو على بعضه، أو على مال آخر، سواء كان أقل من الصداق أم أكثر.
ولافرق بين العين، والدين والمنفعة.
وضابطه أن كل ما جاز أن يكون صداقا جاز أن يكون عوضا في الخلع لعموم قوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}.
ولأنه عقد على بضع فأشبه النكاح.
ويشترط في عوض الخلع أن يكون معلوما متمولا، مع سائر شروط الاعواض، كالقدرة على التسليم، استقرار الملك وغير ذلك، لأن الخلع عقد معاوضة، فأشبه البيع والصداق، وهذا صحيح في الخلع الصحيح.
أما الخلع الفاسد فلا يشترط العلم به، فلو خالعها على مجهول، كثوب غير معين، أو على حمل هذه الدابة، أو خالعها بشرط فاسد.
كشرط ألا ينفق عليها وهي حامل، أو لاسكنى لها، أو خالعها بألف إلى أجل مجهول ونحو ذلك - بانت منه بمهر المثل.
أما حصول الفرقة، فلان الخلع، إما فسخ أو طلاق، فإن كان فسخا فالنكاح لا يفسد بفساد العوض، فكذا فسخه، إذ الفسوخ تحكي العقود.
وإن كان طلاقا، فالطلاق يحصل بلا عوض، وماله حصول بلا عوض فيحسن مع فساد العوض، كالنكاح، بل أولى، ولقوة الطلاق وسرايته.
أما الرجوع إلى مهر المثل، فلان قضية فساد العوض ارتداد العوض الآخر.
والبضع لا يرتد بعد حصول الفرقة، فوجب رد بدله.
ويقاس بما ذكرنا ما يشبهه، لأن ما لم يكن ركنا في شيء لا يضر الجهل به كالصداق.
ومن صور ذلك ما لو خالعها على ما في كفها، ولم يعلم، فإنها تبين منه بمهر المثل.
فإن لم يكن في كفها شئ.
ففي الوسيط أنه يقع طلاقا رجعيا، والذي نقله غيره أنه يقع بائنا بمهر المثل.
أما المالكية فقالوا: يجوز الخلع بالغرر كجنين ببطن بقرة أو غيره، فلو نفق الحمل فلا شيء له، وبانت.
وجاز بغير موصوف، وبثمرة لم يبد صلاحها، وبإسقاط حضانتها لولده.
وينتقل الحق له.
وإذا خالعها بشئ حرام كخمر، أو مسروق علم به، فلا شيء له، وبانت، وأريق الخمر، ورد المسروق لربه، ولا يلزم الزوجة شيء بدل ذلك، حيث كان الزوج عالما بالحرمة، علمت هي أم لا.
أما لو علمت هي بالحرمة دونه فلا يلزمه الخلع.
الزيادة في الخلع على ما أخذت الزوجة من الزوج: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أخذت منه، لقول الله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}.
وهذا عام يتناول القليل والكثير.
روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: «كانت أختي تحت رجل من الانصار، فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتردين حديقته؟ قالت: وأزيد عليها، فردت عليه حديقته وزادته».
ويرى بعض العلماء: أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه، لما رواه الدارقطني بإسناد صحيح: «أن أبا الزبير قال: إنه كان أصدقها حديقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته التي أعطاك قالت: نعم وزيادة فقال النبي صلى الله وسلم: أما الزيادة فلا، ولكن حديقته قالت: نعم».
وأصل الخلاف في هذه المسألة الخلاف في تخصيص عموم الكتاب بالأحاديث الآحادية.
فمن رأى أن عموم الكتاب يخصص بأحاديث الآحاد: قال لا تجوز الزيادة، ومن ذهب إلى أن عموم الكتاب لا يخصص بأحاديث الآحاد، رأى جواز الزيادة.
وفي بداية المجتهد قال: فمن شبهه بسائر الاعواض في المعاملات، رأى أن القدر فيه راجع إلى الرضا، ومن أخذ بظاهر الحديث لم يجز أكثر من ذلك، فكأنه رآه من باب أخذ المال بغير حق.
الخلع دون مقتض: والخلع إنما يجوز إذا كان هناك سبب يقتضيه.
كأن يكون الرجل معيبا في خلقه، أو سيئا في خلقه، أو لايؤدي للزوجة حقها، وأن تخاف المرأة ألا تقيم حدود الله، فيما يجب عليها من حسن الصحبة، وجميل المعاشرة كما هو ظاهر الآية.
فإن لم يكن ثمة سبب يقتضيه فهو محظور، لما رواه أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة: «المختلعات هن المنافقات».
وقد رأى العلماء الكراهة.

.الخلع بتراضي الزوجين:

والخلع يكون بتراضي الزوج والزوجة، فإذا لم يتم التراضي منهما فللقاضي إلزام الزوج بالخلع، لأن ثابتا وزوجته رفعا أمرهما للنبي صلى الله عليه وسلم،
وألزمه الرسول بأن يقبل الحديقة، ويطلق.
كما تقدم في الحديث.

.الشقاق من قبل الزوجة كاف في الخلع:

قال الشوكاني: وظاهر أحاديث الباب أن مجرد وجود الشقاق من قبل المرأة كاف في جواز الخلع.
واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق منهما جميعا، وتمسك بظاهر الآية.
وبذلك قال طاووس، والشعبي وجماعة من التابعين..وأجاب عن ذلك جماعة، منهم الطبري: بأن المراد، أنها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضيا لبغض الزوج لها، فنسبت المخالفة إليها لذلك.
ويؤيد عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج أنه صلى الله عليه وسلم لم يستفسر ثابتا عن كراهته لها عند إعلأنها بالكراهة له.

.حرمة الإساءة إلى الزوجة لتختلع:

يحرم على الرجل أن يؤذي زوجته بمنع بعض حقوقها. حتى تضجر وتختلع نفسها.
فإن فعل ذلك فالخلع باطل، والبدل مردود، ولو حكم به قضاء.
وإنما حرم ذلك حتى لا يجتمع على المرأة فراق الزوج والغرامة المالية، وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}.
ولقوله سبحانه: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا}.
ويرى بعض العلماء نفاذ الخلع في هذه الحال مع حرمة العضل.
وأما الإمام مالك فيرى أن الخلع ينفذ على أنه طلاق، ويجب على الزوج أن يرد البدل الذي أخذه من زوجته جواز الخلع في الطهر والحيض: يجوز الخلع في الطهر والحيض، ولا يتقيد وقوعه بوقت: لأن الله سبحانه أطلقه ولم يقيده بزمن دون زمن.
قال الله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}.
ولان الرسول عليه الصلاة والسلام أطلق الحكم في الخلع بالنسبة لامرأة ثابت بن قيس، من غير بحث، ولااستفصال عن حال الزوجة، وليس الحيض بأمر نادر الوجود بالنسبة للنساء.
قال الشافعي: ترك الاستفصال في قضايا الاحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل هل هي حائض أم لا؟ ولان المنهي عنه الطلاق في الحيض: من أجل ألا تطول عليها العدة.
وهي - هنا - التي طلبت الفراق، واختلعت نفسها ورضيت بالتطويل.

.الخلع بين الزوج وأجنبي:

يجوز أن يتفق أحد الاشخاص مع الزوج على أن يخلع الزوج زوجته، ويتعهد هذا الشخص الاجنبي بدفع بدل الخلع للزوج، وتقع الفرقة، ويلتزم الاجنبي بدفع البدل للزوج.
ولا يتوقف الخلع في هذه الصورة على رضا الزوجة لأن الزوج يملك إيقاع الطلاق من نفسه بغير رضا زوجته، والبدل يجب على من التزم به.
وقال أبو ثور: لا يصح لأنه سفه، فإنه يبذل عوضا في مقابلة ما لا منفعة له فيه، فإن الملك لا يحصل له.
وقيده بعض علماء المالكية، بأن يقصد به تحقيق مصلحة أو درء مفسدة، فإن قصد به الاضرار بالزوجة فلا يصح.
ففي مواهب الجليل: ينبغي أن يقيد المذهب بما إذا كان الغرض من التزام الاجنبي ذلك للزوج، حصول مصلحة، أو درء مفسدة ترجع إلى ذلك الاجنبي، مما لا يقصد به إضرار المرأة.
وأما ما يفعله أهل الزمان في بلدنا من التزام أجنبي ذلك وليس قصده إلا إسقاط النفقة الواجبة في العدة للمطلقة على مطلقها - فلا ينبغي أن يختلف في المنع ابتداء.
وفي انتفاع المطلق بذلك بعد وقوعه نظر.

.الخلع يجعل أمر المرأة بيدها:

ذهب الجمهور، ومنهم الائمة الأربعة، إلى أن الرجل إذا خالع امرأته ملكت نفسها وكان أمرها إليها، ولا رجعة له عليها، لأنها بذلت المال لتتخلص من الزوجية، ولو كان يملك رجعتها لم يحصل للمرأة الافتداء من الزوج بما بذلته له.
وحتى لو رد عليها ما أخذ منها، وقبلت - ليس له أن يرتجعها في العدة، لأنها قد بانت منه بنفس الخلع.
روي عن ابن المسيب والزهري: أنه إن شاء أن يراجعها فليرد عليها ما أخذه منها في العدة، وليشهد على رجعته.

.جواز تزوجها برضاها:

ويجوز للزوج أن يتزوجها برضاها في عدتها، ويعقد عليها عقدا جديدا.

.خلع الصغيرة المميزة:

ذهب الأحناف إلى أنه إذا كانت الزوجة صغيرة مميزة وخالعت زوجها، وقع عليها طلاق رجعي ولا يلزمها المال.
أما وقوع الطلاق، فلان عبارة الزوج معناها تعليق الطلاق على قبولها، وقد صح التعليق لصدوره من أهله، ووجد المعلق عليها، وهو القبول ممن هي أهل له، لأن الأهلية للقبول تكون بالتمييز - وهي هنا صغيرة مميزة - ومتى وجد المعلق عليه وقع الطلاق المعلق.
وأما عدم لزوم المال: فلأنها صغيرة ليست أهلا للتبرع، إذ يشترط في الأهلية للتبرع: العقل والبلوغ، وعدم الحجر لسفه أو مرض.
وأما كون الطلاق رجعيا: فلأنه لما لم يصح التزام المال، كان طلاقا مجردا لا يقابله شيء من المال، فيقع رجعيا.
خلع الصغيرة غير المميزة: وأما الصغيرة غير المميزة فلا يقع خلعها طلاقا أصلا، لعدم وجود المعلق عليه، وهو القبول ممن هو أهله.

.خلع المحجور عليها:

قالوا: وإذا كانت الزوجة محجورا عليها لسفه وخالعها زوجها على مال وقبلت، لا يلزمها المال، ويقع عليها الطلاق الرجعي، مثل الصغيرة المميزة في أنها ليست أهلا للتبرع، ولكنها أهل للقبول.

.الخلع بين ولي الصغيرة وزوجها:

وإذا جرى الخلع بين ولي الصغيرة وزوجها، بأن قال زوج الصغيرة لابيها: خالعت ابنتك على مهرها، أو على مائة جنيه من مالها، ولم يضمن الاب البدل له.
وقال: قبلت، طلقت، ولا يلزمها المال ولا يلزم أباها.
أما وقوع الطلاق فلان الطلاق المعلق يقع متى وجد المعلق عليه، وهو هنا قبول الاب، وقد وجد.
أما عدم لزوجها المال، فلأنها ليست أهلا لالتزام التبرعات.
وأما عدم لزوم أبيها المال، فلأنه لم يلتزمه بالضمان، ولا إلزام بدون التزام.
ولهذا إذا ضمنه لزمه.
وقيل: لا يقع الطلاق في هذه الحال لأن المعلق عليه قبول دفع البدل.
وهو لم يتحقق.
وهذا القول ظاهر، ولكن العمل بالقول الأول.

.خلع المريضة:

لا خلاف بين العلماء في جواز الخلع من المريضة، مرض الموت.
فلها أن تخالع زوجها.
كما للصحيحة سواء بسواء.
إلا أنهم اختلفوا في القدر الذي يجب أن تبذله للزوج مخافة أن تكون راغبة في محاباة الزوج على حساب الورثة.
فقال الإمام مالك: يجب أن يكون بقدر ميراثه منها.
فإن زاد على إرثه منها تحرم الزيادة ويجب ردها، وينفذ الطلاق.
ولا توارث بينهما إذا كان الزوج صحيحا.
وعند الحنابلة: مثل ما عند مالك، في أنه إذا خالعت بميراثه منها فما دونه صح ولا رجوع فيه، وإن خالعته بزيادة بطلت هذه الزيادة.
وقال الشافعي: لو اختلعت منه بقدر مهر مثلها جاز.
وإن زاد على ذلك كانت الزيادة من الثلث وتعتبر تبرعا.
أما الأحناف: فقد صححوا خلعها بشرط ألا يزيد عن الثلث مما تملك.
وأنها متبرعة، والتبرع في مرض الموت وصية، والوصية لا تنفذ إلا من الثلث للاجنبي، والزوج صار بالخلع أجنبيا.
قالوا: وإذا ماتت هذه المخالعة المريضة وهي في العدة.
لا يستحق زوجها إلا أقل هذه الأمور، بدل الخلع، وثلث تركتها، وميراثه منها.
لأنه قد تتواطأ الزوجة مع زوجها في مرض موتها وتسمي له بدل خلع باهظا، يزيد عما يستحقه بالميراث.
فلاجل الاحتياط لحقوق ورثتها، وردا لقصد المتواطأ عليه.
قلنا: إنها إذا ماتت في العدة لا تأخذ إلا أقل الاشياء الثلاثة.
فإن برئت من مرضها ولم تمت منه، فله جميع البدل المسمى، لأنه تبين أن تصرفها لم يكن في مرض الموت.
أما إذا ماتت بعد انقضاء عدتها فله بدل الخلع المتفق عليه، بشرط ألا يزيد عن ثلث تركتها، لأنه في حكم الوصية.
والذي عليه العمل الان في المحاكم بعد صدور قانون الوصية سنة 1946: أن للزوج الاقل من بدل الخلع، وثلث التركة التي خلفتها زوجته، سواء أكانت وفاتها في العدة أم بعد انتهائها، إذ أن هذا القانون أجاز الوصية للوارث، وغير الوارث - ونص على نفاذها فيما لا يزيد عن الثلث بدون توقف على إجازة أحد.
وعلى هذا، فلا يكون هناك حاجة إلى فرض محاباة زوجها بأكثر من نصيبه ومنعها من ذلك.